الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
524
نفحات الولاية
والطاعة ، ذلك لأنّ الطاعة والتقوى إنّما تتحصل في ظلّ التبعية لهذا الدين . فتحدث بادئ الأمر عن إحدى عشرة صفة من صفات الإسلام العظيم فقال : « ثُمَّ إِنَّ هذَا الْاسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ ، واصْطَنَعَهُ « 1 » عَلَى عَيْنِهِ ، وأَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ ، وأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ » . فقد بيّن في هذه الصفات الخمس الأُولى الأركان الأصلية لهذا الدين المقدّس والذي انفرد اللَّه تعالى بتشريعه بمنتهى الدقّة ، وتولى إبلاغه أفضل خلق اللَّه النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله واستندت دعائمه على أساس حبّ اللَّه . العبارة : « اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ » إشارة إلى أنّ الطريق الذي يؤدّي إلى القرب الإلهي يقتصر على الدين الإسلامي الحنيف : « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْاسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ » « 2 » . والعبارة : « واصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ » تقال في الأمور التي يكون الشخص حاضراً وناظراً حين الإتيان بها وبعبارة أخرى تتم أمام عينيه . وأمّا بشأن اللَّه فهي كناية عن نهاية عنايته ومراقبته له ، قال القرآن الكريم بشأن موسى عليه السلام : « وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي » « 3 » . والعبارة : « أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ » ( بالنظر إلى عودة الضمير في محبته إلى اللَّه ) إشارة إلى أنّ الإسلام بني على المحبّة وهذه إحدى افتخاراتنا في أنّ ديننا بني على أساس الحبّ ، ولذلك جاء في الرواية : « هَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبِّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ : « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ » » « 4 » . وعلى هذا الضوء فإنّ أساس هذا الدين محبّة العباد للَّهمن جانب ، وحبّ اللَّه للعباد من جانب آخر ، ثمّ واصل كلامه بالإشارة إلى ست صفات أخرى فقال : « أَذَلَّ الأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ ، ووَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ ، وأَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ ، وخَذَلَ مُحَادِّيهِ « 5 » بِنَصْرِهِ ،
--> ( 1 ) . « اصطنع » من مادة « اصطناع » على وزن افتعال بمعنى التحضير والتنمية والتكبير لشيء . ( 2 ) . سورة آل عمران ، الآية 85 . ( 3 ) . سورة طه ، الآية 39 . ( 4 ) . بحار الأنوار ، ج 66 ، ص 237 ، ح 5 . والآية الواردة في النص هي ، الآية 31 سورة آل عمران . ( 5 ) . « محادّي » من « محادّة » بمعنى المخالفة والعداوة ومادته الأصلية « حدّ » التي تعني نهاية وطرف كلّ شيءوذلك لأنّ العدو يكون في الطرف الآخر . « محادّة » بمعنى المخالفة ( جدير ذكره أنّ « محادّي » فيالأصل « محادّين » اسم فاعل صيغته الجمع وحذفت النون للإضافة ) .